الجبايش مرآة أحلامي ج 2 / بقلم إنتزال الجبوري

الجبايش مرآة أحلامي ج 2 / بقلم إنتزال الجبوري

 

مذكرات الجبايش

 

الجبايش مرآةُ أحلامي 
(2)


بقلم: إنتزال الجبوري


وأنتِ عندي كروحي بل أنتِ منها أحبُّ
وأنتِ للعينِ عينٌ وأنتِ للقلبِ قلبُ


لديّ حالةُ حبٍ للشمس منذ طفولتي صيفاً وشتاءً لافرق، لدرجةٍ كنتُ أحدّقُ فيها يوم كنتُ صغيرةً، ونهاني والدي ووالدتي خوفاً على عيني من الضرر، ولا أحب الغيمَ مع ما له من دلائلَ خيرٍ للأرض وللإنسان، لأن الغيمَ منذ صغري ولما يزل يمثل عندي عاملَ ضبابٍ وتشويشٍ وحزنٍ لقلبي، والشمسُ تمثل عاملَ صفاءٍ وفرح. مكثتُ سنواتي الأولى من حياتي لاأعرف سببَ الحالة، بالأخص وأرى أمامي أقراني من البنات والبنين يفرحون بالغيم والمطر، مع حبي للمطر الذي هو خيرات السماء. في بعض الأحيان يهطل المطرُ مع وجود الشمس في كبدِ السماء فأفرح به، وهي حالات نادرة تحدث، وسببها قطرات مائية من بقايا غيمة في السماء.
بيني وبين السيّاب، تناغم ٌفي الشعور بالحزن عند نزول المطر، مع تباين الأسباب عندي وعنده. يصور السيّاب حزنَه(حزني)، في رائعته (أنشودة المطر):

أتعلمينَ أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر
وكيف تنشجُّ المزاريبُ اذا انهمر
وكيف يشعر الوحيدُ فيه بالضياع
بلا انتهاء- كالدمِ المراقِ- كالجياع
كالحبِ – كالأطفالِ- كالموتى- هو المطر

تارة أجدُ لحالتي تفسيراً؛ هو حلم أمي بالشمس وهي حامل بي، وأخرى حبي لشمس الجبايش المشرقة في سمائِها الزرقاء الصافية حين تسقط على الطبيعة الخلابة الجميلة ...على الماء والخضرة والنخيل وما كانت تبعثُ من لمعانٍ يخطف البصرَ فيزيد من جمال الطبيعة وسحرها الأخّاذ للروح؛ جعلتني أحبها بشدة لدرجة الهيامِ بها على امتداد أيام حياتي، وأحلامها التي تراودني في المنام لهذا اليوم، لدرجة حين أستفيق من رؤياها أُصاب بالضجر؛ وأود لو مكثت نائمةً لأستأنسَ وأستمتعَ بجمال الطبيعة الساحر وذكريات طفولتي. لكن تفسيرَ حبي لنور الشمس الذي ترسّخ في أعماقي مبكراً؛ و اكتشفته في أوائل شبابي، هو أني أحبُّ القيمَ النقية الخالصة والصافية المتمثلة بالشمس. أحبُّ الصدقَ المتجسدَ عندي بالحقيقة الناصعة من دون لفٍ ودورانٍ وكذبٍ وزورٍ وخديعةٍ، وعدم حبي ولاأقول كراهيتي للغيم لأن فيه خيرَ الله وغيثه ورحمته الى الأرض والحياة؛ الذي يمثل كراهيتي للقيم المزيفة التي يكتنفها التشويش، والاحتيال الذي ترتديه الأقنعة الكاذبة؛ يمثلها عندي الغيمُ وما يصحبه من ظواهرَ رعدٍ وغمزٍ ولمزٍ وظلامٍ يخفي خلفه الكثير؛ يمثلها البرقُ المخيفُ لي والمسببُ الحزنَ والغيمَ لقلبي.
هكذا رأيتُ نفسي وأراها على امتداد عمري، وحملتني على اكتشاف نفاقِ الناس سريعا، لذلك جاهدتُ في حياتي بإخلاص لتبقى قيمي خالصةً ناصعةً غير مشوشة، وهي حالة تلقّيتُها عن نظام تربوي متوازن، فيه شيٌ من الصرامة، يرتكز على أركانٍ أربعة:

أولها: المرحومة والدتي، التي ربّتنا بكرمِ قلبها الذي كان يَسَعُ الأرضَ والسماءَ، ومشاعرَها، وحكمِها البليغة وقيمِها الأصيلة والرصينة، فكانت قدوتَنا ومنارَنا في مشاويرَ حياتِنا. كانت تقف دائما عند الوسطية والإتزان في تعاملها معنا لتستوعبَ أبناءَها بالعدل والمساواة، وتحفظَ العائلة في نقطة التوازن. لامكان في قاموسها للكذب والتزوير والمكر والنفاق والفتن، وهي صفات ذميمة نهتنا عنها نحن أبناءها، لدرجة ترسّخت فينا بعمق حتى بلغت حدَّ عدم المساومة عليها ولو كنا على شفا جرفٍ هار.

ثانيها: المرحوم والدي، ملهم الحكمة والشجاعة والثقافة والحب والسلام، الذي ربّانا على المعاني والقيم والأخلاق النقية. أهم ماكان يؤكد عليه هو الصدق والإخلاص والجد والأمانة، فضلا على كونه هادئاً وديعاً مُسالماً. فكان شديدَ الحرصِ على مراقبةِ هذه الخصال، ويوقظُها في نفوسِنا على الدوام. وهو الحريص فوق الحد علينا نحن أبناءه، وكانت علاقتي به خاصة جدا فأنا أقرب بناتِه الى قلبه لكنه كان عادلاً وحذراً كونه أب عائلة كبيرة.

ثالثها: المرحومة جدتي، الجادة والحريصة والصارمة وملهمة الحكمة التي تسمعنا على الدوام تجاربَها وحكمَها الرصينة والمعبرة، وهي مربيتي وأنا القريبة والحبيبة لقلبها.

رابعها: المرحوم أخي الأكبر(ياس)، لم يكن أخاً لنا فحسب، بل أخٌ وأبٌ وملهمٌ روحيٌ ومعنويٌ وأخلاقي. نكنّ له الهيبةَ والاحترامَ كونهُ أخانا الأكبر فهو بمثابة أبينا نسمعُه ونطيعُه ولانزيغُ عن كلامِه. ترسّخت علاقتي به بقوة حين بلغتُ مرحلة الدراسة المتوسطة .
على هذه الأركان الأربعة ارتكز منزلُنا فتشكلت منه واحةُ أمانٍ، وسلامٍ، ومحبةٍ، وهدوءٍ، وسكينةٍ، وطمأنينةٍ، وتوفّرَ فيه جوٌّ تربويٌ مثاليٌ متميزٌ، وله عظيم الأثر في تنمية روح الإيمان الفطري الخالص في نفوسنا أنا وأخوتي، وتلقينا تديناً فطرياً، سليماً ،متوارثاً، ممزوجا بوعي وثقافة خاصين، فضلا على توفر جوِ حوارٍ هادىءٍ يُفضي على الدوام الى المحبة والتوافق وتوحيد الرؤى ومزيدٍ من الحميمية، تشبعت بها زوايا منزلنا فتشرّبتْها أرواحُنا ونحن في بواكير حياتنا، وامتد بنا الى اليوم كلما التقينا.
غادرتُ الأحضانَ الدافئةَ لهؤلاء الأربعة الأثيرين على نفسي، ولمّا أرتوِ منها، حيث بدأت محطةُ الزواج مبكراً في حياتي، ولوْ لم أغادْرها عاجلاً ربما كنتُ غير التي أكونُها الآن.
حملتُ حالتي هذه الى منزل الزوجية... الى زوجي، وأبنائي الذين يحتجّون أحيانا
ويُحاججون بقول الإمام علي(ع): لاتكرهوا أولادَكم على أخلاقِكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.
وأردّ عليهم: ولْيَكُنْ؛ طريقُ الحق صعبٌ حافلٌ بالأشواك. توَفَّرْنا على الذي حملناه في أرواحِنا ولايوجد في دواخِلنا سواه، فأسقيناكموه صافياً ليس كدراً، وكلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ.
أسأل اللهَ أن لايحيدني عن الحق لآخر ذرةِ أوكسجين أستنشقها من الهواء، ويبعث فيّ القوةَ والثباتَ لئلا أخون ديني وقيمي، ويثبّت قدمي على قيم الخير لأتعامل بها مع الناس والحياة بصدقٍ، والأهم من ذلك كله أن لاتزلَّ قدمي يومَ تزلُّ قدمٌ بعد ثبوتِها.
أنا الوحيدة من بين إخوتي ولدتُ في الجبايش، أخواني الأكبر مني كلهم ولدوا في البصرة، والأصغر مني في الغراف.
رؤيتي للجزر المنتشرة والصرائف المشيدة عليها والمضائف أصابتْني بالهلع والخوف والكآبة والبكاء، فضلا على الشعورِ بالحزن، والوحشة التي استوطنت روحي لأني فارقتُ مدرَستي ومعلّمَتي.
للمعلم دورٌ وأثرٌ كبيرٌ في صنعِ شخصية التلميذ. بعض المعلمين يتركون بصمةً أبديةً في حياته وتلبث صورتُهم مطبوعةً في وجدانه مدى الحياة، ويمكثون قدوتَه في قادمِ أيامِه ومستقبلِه. ومن الطبيعي يعتمد هذا على طبيعة المعلم ومهارته في تربية وتعليم التلميذ، فالأسلوب في التربية والتعليم هو علم وفن لايتقنه كلُّ أحد. وبعض المعلمين أيضا تمكث صورةُ التلميذ المتميز مطبوعةً في وجدانهم. هكذا مضيتُ مع من علموني ألف باء العلم.
أول من انفتح عليه عقلي من رُسُلِ العلم؛ هي الست (أميرة) في الصف الأول الابتدائي الذي قضيت نصفه في ناحية الغراف التابعة لمحافظة ذي قار. كنتُ تلميذتَها المتميزة في الدرس والتحصيل. فعلا كنتُ أتمتع بسرعة البديهة وبمستوى عالٍ من الذكاء، الذي مكثتُ بسببه مبكراً في كهفِ غربةٍ منذ طفولتي بين بنات جيلي. فقط أصغي للمعلمة بالربع ساعة الأولى من الدرس، فأستوعبُه بسرعة وأولّي بوجهي نحو النافذة التي أجلس بقربِها.
المعلمة في كل مرة تبدأ بدرس القراءة الخلدونية؛ تستعمل الطباشير الملون للحرف الجديد، تخطه بأحدِ ألوانه، كنت أركّزُ فقط على الحرف الأول الملون، بعدها لاأركّز، فتوبّخني على عدم التركيز، وأُصابُ بالضجر من كثرة التكرار، واستخدام الطباشير الملون للأحرف، وهي حالة تجبرني على التحلي بالصبر الذي لاأعي منه شيئا في تلك السن، وأودُّ بعد الربع ساعة الأولى أن يرنَّ جرسُ الاستراحة وأخرجُ من الصف. كل حركة بطيئة من أصابع المعلمة على اللوحة؛ وهي تبذل جهدَها لتوصلَ الدرسَ كاملاً مفصلاً لأذهان الطالبات اللائي لايستوعبن سريعاً؛ ترهق روحي وتضغط عليها بشدة؛ كنت أشعرُها. هذا الشعور حقيقي الذي أقوله، أتذكره جدا، وحتى حين أتذكّره تتجسد في مخيلتي صورة معلمتي تكتب على اللوحة، وأستشعرُهُ وأنا أكتبُ هذه السطور. المعلمة تشرح الدرسَ و فكري شاردٌ الى جرس الاستراحة. ونفس الأسلوب تتبعه مع درس الحساب كذلك. يبدو إن الحرارةَ التي في قلبي لتغيير كل شيء بعد استيعابه وتمثله سريعاً وتجاوزه للإنتقال الى المرحلة اللاحقة؛ بدأت عندي منذ الطفولة، فالملامح الأولى لشخصية الطفل تبدأ بالظهور منذ الصغر. كنتُ أجلس في الرحلة الأولى. كانت لشدة ماتحبني تقف دائما بالقرب من رحلتي، وهو أيضا انذارٌ لي بضرورة التركيز على اللوحة لأني قدوة الطالبات. أكاد أطير فرحاً حين تقترب مني، وكنت أحبها جدا، بسبب ثنائها الدائم علي. كانت ترفع دفتري للأعلى أمام الطالبات حتى يتعلمن مني. وقعت صدمة ٌعلى رأسها حين أتى والدي بنفسه للمدرسة ليأخذ من إدارتها وثيقةَ نقلي من ناحية الغراف الى قضاء الجبايش، ويريد أن يختطف منها تلميذتَها الأثيرةَ لنفسها، وكان تحديداً يوم امتحان الحساب لنصف السنة. حين أتممتُ الإمتحان الذي كان آخرَ امتحانٍ لي، أتذكر كان الجو بارداً جداً، فأخذت المعلمة يديّ فوق مدفأة (هيتر) كهربائي دائري صغير لشدة ماكانت باردتين، واحتضنتني وأجهشت بالبكاء، وبكيت معها. بعدها بيومين أعطتني مديرة المدرسة نتيجةَ امتحان نصف السنة فكنتُ الأولى على دفعتي. أصبتُ بكآبة في تلك الأيام، كيف لي أن أفارقَ معلمتي العزيزة وهي كذلك.
الطفل لايحتمل المواقفَ المؤلمة لأن طاقتَه النفسية محدودةٌ لاتستوعب الألم. فارقتُ مدرَستي ومعلمتي الأولى على مضض. الست (أميرة) خالدة في وجداني لاأبالغ إذا قلت لهذا اليوم، ودّعتُها حزينةً باكيةً عليّ لأنها تريد بقائي لامغادرتي. كانت تتوسّل بوالدي أنها تضمن سكني معها في منزل المعلمات آنذاك ولا أغادر. 
المشكلة، الألمُ صعبٌ حين يستوطن الطفولةَ مبكراً. براءة الطفولة لاتحتملُ الألمَ الكبير. هو ثاني ألمٍ في حياتي أتلقّاه بعد ألمي الأول بفقدان أخي الصغير (عبدالرحيم) الحبيب الى قلبي البالغ من العمر سنتين، وكنتُ في الخامسة من العمر. كل ما أتذكّرُه منه بياضَ وجهِه وحمرةَ خديه. توفي إثر إصابته بمرض الحصبة اللعين. ترك فقدُه في نفسي منذ صغري ألماً كبيراً، كنت أحبه وأرعاه وأهزّه في مهده حين تكون والدتي منهمكةً بأعمال المنزل. 
استقبلنا في الجبايش الأخ الكريم الفاضل (الأستاذ رمضان عبد عذافة الأسدي)، الصديق الوفي لأخي الأكبر( ياس) ولبث صديقاً وفياً لعائلتنا من اليوم الأول لهذا اليوم. يعمل الآن مديرَ مدرسة أهلية في الجبايش. أولُ شخصٍ قابلناه فيها، فاحتضننا بخلقِه الكريم وروحِه الدافئة وقلبِه الطيب، وقدم لنا العونَ على تخطي الأيام والأشهر الأولى فيها، فكان يوضح لنا كل شاردةٍ وواردةٍ في الحياة الجديدة علينا.
في اليوم الثاني لوصولنا خرجت برفقة أخي وصديق طفولتي (ابراهيم)، منذ ساعة الفجر الأولى لنستطلعَ الوضعَ الجديد. منزلُنا مطلٌ على الشط. أخذنا الفضولُ لنكتشفَ الشطَ والماءَ ونلتفتُ يمينا وشمالا، فلا نرى الاّ الصرائفَ المتناثرة في النهر والنخيل المبهج للنفس في ساعات الصباح الأولى مع شروق الشمس بأعدادِه الهائلة وسط النهر، و المخيف منظرُه إذا ادلهمَّ مع شروع الليل. اغترفنا بعض غرفاتٍ من الماء ولهوْنا به برهةً من الوقت ثم دخلنا المنزل خائفين لخشيتنا على أنفسِنا، فالمنطقة جديدة علينا ونحن فيها غرباء.
أولُ إمرأةٍ زارتنا في دار إقامتِنا الجديدة جدتُنا العزيزة وأم وصديقة العائلة المقربة المرحومة والدة الأديب المرحوم (فهد الأسدي). فبمجرد رؤيتها لي عانقتني واحتضنتني أول إخواني، وقالت لي: إنتزال! أنت إبنتي، فشبكتُها وقبّلتُها. كانت نادراً ماتسميني بإسمي، الاّ اذا كانت جادةً بشيء ما تريده مني، تسميني بإسم الدلال نزلة، أو نزولة. وهكذا توالت زياراتنا المتبادلة، نزورها وتزورنا، وأكثر زيارات أمي لصديقاتها كنتُ فيها رفيقتَها الدائمة لكوني البنت الصغرى آنذاك، ولوجود بنات بسني فألهو معهن، وكنتُ رسولَها اذا همّت بزيارة أيِّ صديقةٍ؛ تبعثني صباحاً لأخبرَ صديقتَها بزيارة امي لها عصراً. كنت على الدوام أيام العطل المدرسية ألهو وصديقاتي على شاطئ النهر بالقرب من منزلنا ولاأبتعد كثيراً كما أوصتني جدتي وأمي خوفاً عليّ. وحين أبصر (بيبي أم فهد) عن البعد قادمة الينا، أعدو مسرعةً فأشبُكها وأقبُّلها، وهي تبادلني الشعور. كانت علاقتي معها خاصة أكثر حميمية من كل أخواني. أمي أوصتني أن إذا زارتنا جدتي عليّ تقبيلُ يديها الكريمتين، وهكذا مضيتُ على عادتي مع جدتي، وكنت أحملُ شعورَ الهيبةِ والاحترامِ لها. حين تزورنا أترك اللعب مع صديقاتي وأدخل المنزلَ لأجلسَ بقربها. كانت إمرأةً بسيطةً، ترابيةً، مائيةً، غرينيةً، طيبةَ الروح أحبّت الأرضَ ومن عليها، فأحبّتها الأرضُ ومن عليها، ووهبت نفسَها لخدمة الناس ولم تبخلْ عليهم بشيء، فكانت هي العمود الفقري لحياة النساء في الجبايش قاطبة ..هي القابلة الوحيدة، والطبيبة الشعبية. إذا زارتنا وغالبا ما كانت تأتي متعبةً فهي المنهمكة على الدوام في خدمة الناس، وكان يعتريني شعورُ الألم عليها حين أراها متعبةً، وأعاهدُ نفسي في كل مرة تزورنا أن لاأكون سببَ إزعاجٍ لها، بالأخص هي مشغولة بولادات النساء الليلية غالبا، أو تلبية حاجاتهن. تطلق لراحتها العنانَ في منزلنا وترفض استقبالَها في غرفة الضيوف لأنها أحدُ أعضاء أسرتنا، فترفض الجلوسَ على الأريكة وتفضّل الجلوسَ على الأرض، فالأحاديث عندها أطيب وألذ حين تكون عفويةً غيرَ متكلَّفةٍ، وتشرب الشاي مع؛ جدتي وأمي( رحمهن الله جميعا). يتبادلن الأحاديثَ وأنا جالسة إما بحضن (بيبي أم فهد) أو بجنبها. جدتي لأبي الصارمة في التربية كنتُ أخافُها أكثر من أمي، كانت تصبر عليّ فقط الربع الساعة الأولى من مجيء (بيبي أم فهد)، وكنتُ أقرأ في عينيها أنها غير راضية عن وجودي بينهن، فتغمز لي بطرف عينها وأمي كذلك، كنّ يوبّخنني بحجة أن جدتَك متعبة ويجب مراعاتها، لكن كنت أفهم أن من وراء ذلك مغزىً؛ هو ترك مجالسة كبيرات السن لأن مجلسهن لايليق بي وأنا طفلة، كذلك هي ثقافة نشأنا عليها؛ أن بقدوم الضيف يجب علينا إلتزام الأدب والهدوء ويُمنع جلوسنا معه لأنه غير لائق بنا نحن الصغار، فأحاديث الكبار مختلفة عن أحاديثنا، والخيار الأول لنا هو الصعود فوق سطح الدار واللهو معا، أو الخروج واللهو على الشط القريب منا، حتى أمور ضيافته تتولاها والدتي أو عمتي الصغيرة. جدتي (أم فهد) كانت ترفض طلبَهن وتصرّ على بقائي لأنها كانت تحبني وأحبّها بشدة وتردّ عليهن: أتركن إبنتي جالسةً بجنبي، وأنا متعلقة بها، ومشكلتي أني غادرتُ الجبايش ولم أرتوِ من حضن (بيبي أم فهد)، ولم أكتشف شخصيتَها أكثر، بسبب احتجاج جدتي وأمي، الدائم، وحتى حين نزورها أيضا من اللازم أن أقوم لألهو مع البنات اللائي بعمري ولم أجلس مع النساء، وفي منزلنا أرضخ لطلب جدتي بالذات وأترك المكان وأذهب أواصل اللهو مع صديقاتي. حين أراها تهّم بمغادرة منزلنا أعدو مسرعةً أشبكُ عليها وأقبّلُها.
مساحة الحرية لدينا نحن الصغار آنذاك ضيقة. علينا أن نأخذ الإذن في الصغيرة والكبيرة إذا هممنا بالخروج من المنزل، لخوف أهلنا علينا وحرصهم الشديد من أي موقف طارئ أو الضياع. لو كنت آنذاك أكبر من عمري لكنت آخذ إذنا من أهلي وأذهب بنفسي لمنزل جدتي(ام فهد) ومنزلها قريب منا، حين أكون فارغة من أي عمل.
برأيي أن بإمكان النساء بوجود طفل بينهن؛ اختيارَ حديثٍ عام، كأن يخترنَ موضوعا حياتيا ما ويتكلمن عنه، وليس بالضرورة أن يكون الحديث خاصا. الى أن يصل الطفل الى نقطة القناعة التامة بمغادرة المكان، عند ذلك يمكن التحدث بأي شأن خاص. ويتركن الطفل جالسا حتى تشبع حواسه ومشاعره من الجو الذي يحبه خصوصا بوجود شخص عزيز جدا. جيلنا مختلف عن جيل جداتنا وأمهاتنا، بوجود الأطفال ننتقي موضوعا ما ونتكلم به وإذا كان ثم شيءٌ فنتكلم برموز وألغاز نتفق عليها، أو التكلم بلغة أخرى. حين يبلغ الطفل مرحلة الإشباع، ويختار هو اللهو مع أقرانه نتركه ونفسح له مجال الحرية، ونأخذ راحتَنا بشتى المواضيع التي لايمكننا التحدث بها أمامه.
بعض صديقاتي في سنوات خلت سلكن نفس منهج الجدات والأمهات في التربية، كأن ترفض صديقتي جلوس إبنتها البالغة من العمر عشر سنوات معنا، لأنها تحب الجلوس معي مثلا، بالضبط مثلي مع جدتي(أم فهد)، وأحتجّ عليها بأن هذا الأسلوب خاطئ غير صحيح، وسيؤدي بالطفل الى حرمان عاطفي من شخص يحبه إضافة الى هذا أن ثقافة الطفل ليست لها حدود، فهي تُثرى من قنوات متعددة، إحداها مجتمع الكبار؛ فلربما فيه حديث مهم فيه فائدة له حتى لو لم يفهم لغة الكبار، ولربما فيه سلوك خاص، أو طريقة في التعبير، أو مصطلحات جديدة تلتقطها ذاكرة الطفل وتُختزن في وعيه وحتى في لاوعيه....
الطفل وفق منهج أهلنا يجب أن يكون كالآلة يتحرك وفق الزر الموجود فيها، فمتى ما ضُغط يتحرك ومتى ما ضُغط يقف، وهذه إحدى الأخطاء التربوية الشائعة في مجتمعنا. الطفل يحب الحرية، لايفهم ولايعي شيئا إسمه الامتثال والطاعة حتى بأدق الأمور. نعم مع تربية الطفل وتوجيهه وفق قيم وأخلاق خالصة وفاضلة، لكني لستُ مع رصد حركاته وسكناته. من حسن حظنا كان النهر القريب منا هو مساحة حريتنا في اللهو والأنس. منّ الله علينا بأبوين رائعين أقولها لابداعي المفاخرة فعلا كانا لايضغطان علينا بشيء، فالاثنان عاطفيان وليّنان ونحن مطيعون لهما، وهذا الأسلوب منهما له أكبر الأثر والدور في الاستقرار النفسي الذي نحمله أنا وأخوتي على امتداد حياتنا، لكن جدتي كانت صارمة بكل شيء وهو ديدن الجدات، غفر الله لهن. وطبعا ورثتُ الصرامة عن جدتي، وأنا شبيهتها في الشخصية مع أبنائي وفي إدارة منزلي؛ لكن صرامتي فيها بعدَ نظرٍ لاقطعية جدتي، التي كانت ذا كفتين، الأبيض أوالأسود، حتى الرمادي لاوجود له فيها. صرامتي فيها ألوان مختلفة مع لين نوعا ما، فالتربية عملية شاقة تتطلّب الصرامة سيما كنت وحيدة وغريبة الأهل والوطن، ولايوجد من يعينني على أبنائي سوى الله وأبيهم، وهو الدائم المشاغل على طوال الوقت، والتربية مسؤوليتها تقع بالدرجة الأولى على الأم. وبالنتيجة نلتمس العذر لجيل جداتنا وأمهاتنا اللائي عشن زمانهن الذي كان مبنيا على الجِدّية والحَدّية بكل شيء، ومما ساعدهن على ذلك وجود أبناء بارين خاضعين، فضلا على صفاء الحياة وخلوها من التعقيد آنذاك. جيلنا في التربية والتوجيه لديه خيارات عدة بسبب اختلاف الزمان واختلاف الأجيال أيضا. جيل أبنائنا خياراتهم أوسع ومسؤوليتهم أعقد منا ساعدهم الله وشدّ أزرهم، لأنهم مسؤولون عن جيل أبنائهم...جيل اللحظة الخاطفة، والمعلومة الانزلاقية التي بالكاد نقبض عليها أو لانقبض(..كسرابٍ بقيعةٍ يحسَبُهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا..)..
(يتبع)

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل