في حادث البصرة استحضرت فهد الأسدي .. هل سيجد صاحب (عدن مضاع) و(طيور السماء) في العشيرة بديلاً؟ رشيد الخيُّون

في حادث البصرة استحضرت فهد الأسدي .. هل سيجد صاحب (عدن مضاع) و(طيور السماء) في العشيرة بديلاً؟ رشيد الخيُّون

 

 

رشيد الخيون

 

 

في حادث البصرة استحضرت فهد الأسدي .. هل سيجد صاحب (عدن مضاع) و(طيور السماء) في العشيرة بديلاً؟
 

رشيد الخيُّون

كان حادث مقتل ابن عمي فيصل الخيُّون بالبصرة، أستاذ الرياضة ثم المتفرغ للمشيخة، وراء كثرة من الهواجس والمراجعات، وتلمس الاغتراب مابيني وبين زمن العراق الحاضر، وأنا أعيشه مثل الفاقد الوعي منذ نحو ثلاثة عقود. قد لا يتوقف الأمر عند قتل إنسان قريب فمشارح المستشفيات وثلاجاتها ملأى بالقتلى، وعلى حد عبارة فقيه البصرة الحسن البصري (ت110هـ)، وهو يلخص زمن الحجاج بن يوسف الثقفي (هلك 95هـ): "ليس العجب ممَنْ هلك كيف هلك! وإنما العجب ممَنْ نجا كيف نجا"(الشريف المرتضى، الأمالي)! وفي ظلال هذا الوصف الذي يتواءم مع زمننا أيضاً، لايطلب من العشيرة أن تأخذ بكلمة مثقف متعال عليها، فالماضي السحيق كما نرى ينبعث من جديد لكن بغرابيبه. وما حكاية طائر الفينيق أو العنقاء، الذي يحترق ثم يخرج من وسط الرماد أكثر تألقاً وجمالاً، إلا أسطرة للمأساة، وتكثيف سراب الأمل والشروق، وهي لا تقل حضوراً رداً على قتلة الحلاج وقتلة عبد الكريم قاسم، ذاك يبعث بعد حرقه راكباً حماراً، وهذا يظهر في قرص القمر!
تكاثرت الخواطر عبر إتصال تلفوني، بعد انقطاع ثلاثة عقود من الزمن، مع القريب والصديق فاروق الخيُّون، حتى تحشدت لتصل إلى زمن ماقبل الثقافة، والوعي. كان فاروق طائراً متقاعداً تحطمت به طائرة (السيخوي) الحربية (صيف 1972) في صحراء السماوة، وفي المنطقة التي طالما قطنها المنفيون السياسيون، ولما رمى بنفسه وهبط بمظلته على الأرض فقد الوعي، وقال عند استجوابه حول الحادث، وكنا نحيط به في المستشفى العسكري بالبصرة: اصطدمتُ بحمار! وكان انبعاثه إلى الحياة أمراً لا يقل عجباً من انبعاث طائر الفينيق!

عاد بي الهاتف إلى زمن كان يشرح فيه معلمنا فهد الأسدي أعضاء رأس الإنسان، على وسيلة إيضاح: جمجمة وجدها في مقابر أطراف المدينة المتناثرة، وهي عادة تكون لأطفال أو لغرباء قتلوا فتحول الماء في وسط الأهوار إلى قبر طائف، أو لأموات الصابئة المندائيين، وكم تبدو رحيمة قبور الماء إذا خلا من الوحوش! كانت منطقتنا زاخرة ومباركة بالمندائيين، وما نعرفه عنهم أنهم لا يكترثون بالأجسام كاكتراثنا بها، لم يؤسسوا أضرحة ومزارات، ذلك لفلسفة دينية مؤداها: أن المحافظة على القبر، وشاهده باقة من القصب، لاتتجاوز الخمسة والأربعين يوماً، وهي فترة التهيئة لعروج الروح إلى السماء في سفن استلوا منها شكل القارب (المشحوف)، فبعدها لم يبق للجسد معنى، فهو مجرد طين وتراب عاد إلى أصله مثلما عادت الروح إلى منزلها السماوي. أما مانسمع عنه اليوم من مقابر للصابئة فهو مجرد منافسة مع المحيط.
كانت الجمجمة التي يقدم عليها فهد الأسدي درسه داكنة اللون، يخزنها بعد الدرس في صندوق في مكتب الإدارة، وليس هناك مَنْ يعترض على وجودها. يدرك المحيطون بساطة المشهد، وأن دراسة علم الأحياء والتشريح في كليات الطب يتم عبر جثامين الأموات! لكن عندما تدخل السياسة حافزاً للإيذاء تتحول تلك الجمجمة إلى جريمة يسجن بسببها معلمنا، ناهيك عن مهرها بتهمة الشيوعية! ومن ذلك اليوم، ونحن طلبة الصف الثالث الإبتدائي لم نر الجمجمة، وقيل لنا أنها دفنت في طينة ما. وبقينا نمر على باب الموقف المشبك لنرى معلمنا مقرفصاً عنده ينتظر الفرج، وهو الذي حبب الينا جهة اليسار. بعد الجمجمة كان الأكثر أثراً من معلمنا حمامة السلام الكبيرة، المعروضة على عرض الميدان وسط قصبة المدينة، وأمام مركز الشرطة، الذي كان من قبل قصراً لمشيخة آل خيون. كان هيكل الحمامة من صنع فهد الأسدي، وهي بيضاء كبيرة الحجم، وكأن النبي نوح أطلقها تواً. أتذكر ثبات فهد أمام تظاهرة من الدهماء اجتاحت الطريق صوب دار عمي طارق الخيُّون، رئيس البلدية (الرجعي) والمحسوب على العهد الملكي، وهو يردهم وهم يصغون له ولشيوعيين حالوا دون تقدم تلك التظاهرة للفتك بشيخ العشيرة، ومع ذلك احتفظ الشيخ برئاسة البلدية، وقد استبدل العقال والكوفية، لأنه موظف حكومي لايفرض تقاليده العشائرية على الدولة، بالبذلة الأوروبية! لكن تراجع الزمن إلى اللادولة جعل غازي الياور يستبدل البذلة بالعقال والدشداشة.
ظل فهد، ونحن أيضاً، ملتصقين بماضينا، نساير الكبير دون إغفال تكريمه بكلمة عمي، ودون تناسي تقبيل يده إذا أقتضت الضرورة، وخاصة شخص مثل ابن سالم الخيُّون الشيخ ثعبان الخيُّون. ولم نكن أولئك الثوريين الممتمردين هوساً ولفت نظر. بل كانت الثورية تسري في عروقنا هادئة وبمناصفة مع مضاداتها، من دون تصادم مع مشاعر وأحاسيس الآخرين. كانت العشيرة تقيمنا من أفواهنا، ولايترددون في احترام أهل اليسار، مع وصفهم دائماً بعبارة (أهل ثقافة). ولا أرى مصادمة بين يساريتي وما كان يراه والدي في تبدل الأحوال. سمعته قال لجمع من بني أسد: مثلما تتبدل الدنيا يجب أن نتبدل! وعندما سأله أحد أصدقائي الكربلائيين، وكنا ببغداد، كيف ترى بغداد بعد فراق المنطقة أجابه: "ألسنا نحن بالعراق"؟ ولم يعترض على زواج أخي من فتاة سُنُّية من الدليم، لكنه اعترض ثم وافق، لأنه أراد له زوجة من الأسرة، ولا أتذكر أنه طرح قضية المذهب عائقاً. وكم شيخ عشيرة كانت يساراً، أحدهم كان الشيخ غانم الخيُّون، عم المغدور فيصل، وكانت عشائرية والد فيصل خريبط فالح الخيُّون، الضابط القاسمي، تجمع بين التأصل في العشيرة والميل لليسار. وقد اعتقل في 8 شباط 1963، وسُجن لأنه رفض شتم عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي. وربما شاركت عشائريته في هذا العناد، لأن الشتم بأمر مذلة كإعلان التوبة تحت السياط! ومثل هذا كان الشاعر الشعبي مجيد جاسم الخيُّون متكوراً على يساريته وملتصقاً بالحزب الشيوعي العراقي مع غزارة حضور دماء المشيخة والعشيرة في عروقه. إلا إن كل هؤلاء لا ينزلون إلى مستوى مخاصمة الدنيا، والتراجع إلى ما قبل حاضرهم. أراها مسايرة عجيبة حقاً.
وعندما كتب فهد الأسدي "غْرَيَّبة و..." حاول أحدهم الوشاية به إلى آل خيُّون بأنه يقصد الإساءة بقصته، ورأيته مستفزاً وخجلاً من العتاب، وقدم تبريراته، وهو اليساري ومن زعامات أنصار السلام في المنطقة، بأن تلك القصة لاتعني أي إساءة، بقدر ما هي قصة استوحاها من واقع عائلة زنجية لدى آل خيُّون. قدم هؤلاء الزنوج من البصرة، حتى أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من عائلة الشيوخ، ولا يخفى أنهم أتراب ابن بحر الجاحظ (ت 255هـ). كانوا أقوياء في زمن المشيخة، التي انتهت رسمياً كسلطة إدارية السنة 1924، بعد قصف بريطاني بواسطة طائرات الهانتر، وكان والدي أحد شهود العيان. قال: نزلت دانة (قنبلة) عملاقة على نخلة شأشاء فارعة وبلمحة بصر غاصت في باطن الأرض، ولم يبق منها غير أطراف السعف! وقيل كانت دسيسة من وزير الداخلية آنذاك عبد المحسن السعدون (انتحر 1928) ضد الشيخ سالم الخيُّون، قصفت المنطقة والشيخ أُخذ منفياً إلى الموصل.
بدأ فهد حياته الكتابية، على ما يذكره جيلي، بقصة دارت أحداثها حول شجرة سدر ألقاها على مسامع طلبته قُبيل درس الإنشاء. كانت شجرة مخيفة وقت الغروب. كيف لا! والأموات كانوا يُغسلون بورقها بعد مزجه بالكافور! ثم نقل أسطورة الهور، التي مازالت تحيرني وتحير الناشئين في تلك الأجواء، إلى عالم الأدب. كان أحفيظ حارس إيشان (تل في داخل الماء وقيل أنها مفردة سومرية)، يحرس دفائن وكنوزاً من الذهب والفضة، وأشجار الفاكهة، التي مثيلها ورد في آيات قرآنية. كان أحفيظ يشجر ناراً، نراها ويتهيأ لنا واقفاً مهيمناً على أطراف البردي والقصب. ترك فهد التعليم، بعد حين من حادث الجمجمة، إلى المحاماة، بعد نيل المرتبة الأولى في كلية الحقوق- الجامعة المستنصرية ببغداد.
ربما وضع حادث معركة عشيرة بني أسد الأخيرة مع محافظة البصرة، بعد قتل سبعة من أبناء شيوخها، فهد الأسدي أمام تساؤل وحيرة يبعثان فيه زمن حمامة السلام العملاقة، وخطاباته اليومية بمحبة الأطفال، وتدشين ناد أدبي، أو مركز ثقافي في دار عشيرته. وهو يعلم ما أن يصدر كتاب له إلا ووصل إلى مسقط رأسه الجبايش، ونظر له أفراد العشيرة نظرة إعجاب و(نوماس)، أن ولدها المتفوه شق طريقه وسط جهابذة الثقافة والأدب وكُتاب الأدب السينمائي ببغداد. لم تكتسح، ولم ترد أن تكتسح، تلك الأيام مشاعر الناس تجاه الإمام الحسين بن علي، ولم تخطط لوقف الحزن السنوي بعاشوراء. بل العكس، كان يجاور خطاب فهد الثقافي خطاب الشيخ أحمد بن الشيخ عبد اللطيف، وهو يقف أمام الموكب الحسيني المتوجه إلى كربلاء، ويقول بعد 14 تموز للإمام الحسين: "سيدي صرنه أحرار موش بحكم استعمار، حي ابن قاسم صار.. يا علي". ويعلو مع حمامة السلام صوت الهازجين باسم الحسين "يحسين إعدل سكان الدنيا ولو مالت بينهَ". وكانت الأهزوجة من وحي الأمر الواقع، حيث يجتمع المحتفون بالمناسبة على ظهر سفينة تمخر عباب شط الفرات جنوباً صوب القرنة، ثم من بعد ذلك يتوجه الجمع إلى كربلاء. وإلا لم يركب الحسين سفينة! 
ما أحدثته دولة البعث في عقول العراقيين، من تعقيد لا ينتمي زمنه حتى إلى القرون الأكثر ظلاماً، جعل صاحب "عدن مضاع"، و"طيور السماء" و"الصليب" فهد الأسدي متوارياً ليس مشلول الجسد فقط، بل ومشلول الذاكرة، التي أحاول أن أحركها فيه بذكرى الجمجمة وحمامة السلام، وناديه الأدبي، واضطراره لمسايرة أحسن الأسماء، يوم قَدمَ على تغيير اسم والده (مدفون) إلى (محمود)، مثلما غيَّر صديق لطفولة وصبا أخي الأكبر حميد الخيُّون (أُعدم 1980) من عرنوص إلى اسم أقل غرابة، وللأسف نسيت الاسم الجديد، لا عطباً في ذاكرتي فقط بل لأنه كان منحولاً ومخلوقاً للمجاملة أيضاً. مع علمنا أن أجمل الأسماء هي المسماة من الأب والأم، فهما يعرفان الظروف في إطلاقها، مثل معرفة عبد الله بن عباس بأسباب نزول آيات القرآن وأسمائها.
بنو أسد وشيوخهم لم يشعروا بغربة تصرف من فهد الأسدي، ولا مَنْ شق طريق الثقافة والكتابة من أبنائهم ممَنْ حملوا اسم العشيرة ألقاباً لهم: المسرحي جواد الأسدي، والشاعر والصحافي: خليل الأسدي، والرسام كريم الأسدي، والشاعر كريم الأسدي، والأكاديمي سعيد الأسدي، والفنان رائد محسن الأسدي وغيرهم. فقد ظل هؤلاء في يسار مع واقعهم، فما زالت العشيرة تفتح عقلها للجديد، ولا تبدو متمسكة بداحس والغبراء، ولم تسع في تسيير البلاد بمفاهيمها، بقدر ما تجعل مفاهيمها جزءاً من الحل لا من المشكلة، فليس لهؤلاء مناكفتها أو التعالي عليها إلى حد الاستيحاش، فهي حصة من تاريخهم ونشأتهم الأولى. 
لكن ما حصل أن يلقي المثقف بنفسه في أحضان طائفته أو عشيرته، أو أي عصبة أخرى من الأزمنة الغابرة. فلا أخفي حماستي لأبناء عمومتي، من الأسديين المذكورين بدافع ذكرى الأصول، وأنا البعيد عنهم لثلاثة عقود، وأحمل حقدي على دولة وجماعات شريرة اضطرتني إلى تلك الهاوية، ولو لومضة زمن لا أكثر. وجدت بلندن مَنْ ذكرني بها، عندما كان الشيخ سامي اعزارة المعجون يناديني بلقب شيخ، وأنا غير المستغرق فيه مثل استغراقه هو وممارسته للمشيخة داخل المعارضة. لا أجد حقاً أو عدلاً في ثلب العشيرة لذاتها في زمن لا يعيش العراقي فيه بلا عصبة، لهذا عذرت أبناء عمومتي فلا دولة يلوذون بها، ومحافظ البصرة جزء من المشكلة. كانت ذاكرة آل الخيُّون مع دولة البعث مدماة: جميل الخيُّون، أمين الخيُّون، محسن الخيُّون، حميد الخيُّون، مازن الخيُّون. ولاتبدو ذاكرتهم مع اللادولة بأقل دماً. فماذا يكون ردي على احتجاج ابن عمي فاروق ضد تهدئتي ومحاولتي لتقديم العقل على سواه من الأسلحة. قال: قتلوا منا سبعة وهم مستمرون، وتريد منا التعقل؟ أنقتل في بيوتنا؟ المحافظ يعرفهم ويحميهم! 
هنا تذكرت ما قاله لي الأديب مير بصري، عندما ذهب يطالب محافظ بغداد خير الله طلفاح بشباب من يهود العراقيين، الذين خُطفوا من الشوارع! قال: لما قال لي طلفاح: لماذا تطلب مني البحث عنهم؟ قلت له: أنت محافظ بغداد ونحن سكان بغداد! عندها قال طلفاح: هذا منطق وأنا أحب المنطق! أنا محافظ بغداد وأنتم سكنة بغداد، ومن حقكم عليَّ المحافظة! وبحث عنهم وأحضرهم إلى بيوتهم سالمين. ما يطلبه العراقيون هذه الساعة، وفي زمن العبث، حتى ولو بقية من منطق خير الله طلفاح! لقد وصلنا إلى ما كنا نخشى منه، وهو المقايسة لا بين الفاضل والمفضول، أو بين الصالح والأصلح، بل بين الهابط والأهبط. هذا ما يحاصرنا جميعاً، ولامفر من قبول الأمر الواقع فليس هناك رماد يخرج منه طير الفينيق أكثر جمالاً.. وما على فهد الأسدي إلا الحلم بعدن مضاع، مبتهلاً أن لا تضيق مساحة الوطن إلى مضارب عشيرة وثقافته إلى مجرد تقاليد طائفة.


 


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل