كاظم حسوني ( الصليب ) رواية : عابقة بسحر حكايات الهور وعوالمه الاسطورية

كاظم حسوني ( الصليب ) رواية : عابقة بسحر حكايات الهور وعوالمه الاسطورية

 

فهد الاسدي

بمناسبة الذكرى الخامسة لرحيل القاص الكبير فهد الاسدي

( الصليب ) رواية : عابقة بسحر حكايات الهور وعوالمه الاسطورية/ كاظم حسوني .

فهد الأسدي من الكتاب الذين دفعوا بالقصة العراقية لتأخذ حيزاً لها على مستوى القصة العربية، ورغم قلة نتاجه الا ان منجزه له حضور وخصوصية تمثلتا باستلهام الواقع، متخذاً منه مرجعيته ومادته الخام للكتابة، متجهاً الى حكاياته الشعبية وعوالمه، والاشياء التي تدور حوله، فجاءت كتاباته انعكاساً لبيئته التي عاشها ، حيث ولد ببلدة الجبايش. وسط اهوار الجنوب. فاستمدت تجربته جذورها من تلك العوالم التي يتذكرها او يخترعها لينسج منها الحكايات والقصص، اذ لعبت ذاكرته الحية دوراً مهماً في اغناء عالمه القصصي، وطبعت تجربته السردية بملامح خاصة، تميزت باعتماده على ما يمكن تسميته بالواقعية الاسطورية من خلال استثماره للاساطير الشعبية، والخرافات المتوارثة، والتقاليد الفلكلورية، التي تحولت بمختبره السردي الى عوالم عابقة بالسحر، فمروياته تنضح بصور المناظر الطبيعية، لتلك القرى الغافية النقية، وعالمها البكر، رغم احزان واعتراك اناسها من اجل الانعتاق وتوفير لقمة العيش، نرى ضفاف الشطوط والانهار. الاكواخ الطينية وسط احراش القصب والجولان، وهي تبث حكاياتها واساطيرها، الاكواخ التي تحكي لنا كفاح، رجالها من قدر لهم الكد والتعب وتوارث المعاناة، في مواصلتهم الكدح وصراعهم العنيد مع قوى القهر والعبودية، من الاقطاعيين والمرابين، والسلطات الحاكمة، اذ تؤرخ قصصه حقب الخمسينيات وما قبلها، حيث بقي القاص مخلصاُ واميناً لبيئته ومحيطه، وهو يستدعي كل ذلك من مخيلة ظلت مضيئة بتلك الحياة الموارة بالوقائع والاحداث، رغم وداعتها، ونمطية حياتها، وروايته (الصليب) تدور احداثها بذات الاجواء، وابطالها هم ابناء الهور، ولعل ابرز ميزة تحكم الفضاء القصصي والروائي لفهد الاسدي، هي قدرته على استخلاص المعاني العظيمة في الانسان وتمجيد الحياة عبر بطله الشعبي المتخلق بابداع الفنان، الذي يحيا (اي البطل) في اتون الواقع، لاختبار معدنه الانساني، حيث نرى ابطاله يتحلون بكل ما تنبض به روح الانسان، من صلابة وشهامة، وقدرة على التحدي والمواجهة، ويمكن تلمس ذلك في بطلة روايته الخادمة السوداء (غريبة)، تلك الشخصية التراجيدية المسلحة بأرادة قوية التي كانت تتجلى عظمتها وتشمخ اكثر عند المحن والملمات، وهي تقف مرفوعة الرأس امام العواصف، رغم كونها مجرد وصيفة سوداء، تخدم في منزل الاقطاعي مزاحم، (غريبة) كان قلبها يفيض بحب الناس، قلبها الممتلئ باللوعة والحكايات الحزنية، بما فيها فصول حياتها الموجعة المفعمة بالعذابات (السنون الخمسون وخطت شعرها بالشيب، وتغضن جلد وجهها ويديها، لقد نالت فيها قدور الشيخ العملاقة ما فيه الكفاية)، وحينما الحت عليها الشيخة وبقية النسوة للتحدث عن قصتها، اضطرت للبوح عن مصرع زوجها (مبروك) على متن السفينة وسط البحر، اذ فجعت بمقتله عندما التهمته اسماك القرش (لما اجبروه على النزول الى الماء لاصلاح خشبة الدفة، كانت اسماك القرش كرجال الشر، تتربص ، تنتظر ولو ظلا لساق متدلية من حافات السفن). وبغياب مبروك تقول (غريبة)، (وجدت الخلاص في ان ادفن نفسي بين سخام القدور السوداء نتنة الرائحة، كان الكدح خلاصي).. ابطال فهد الاسدي يذكروننا بأبطال الكاتب القرغيزي جنكيز ايتماتوف في رواياته (الكلب الأبلق الراكض على حافة البحر) و (وداعاً ياغولساري) او (المعلم الاول) وسواها من الروايات، حيث تشيع لدى ابطال الكاتبين معاني الصلابة والجرأة والقيم السامية، وعدم الاذعان والخنوع والعبودية، اذ يعبر القاص في مجمل كتاباته للقارئ بان القيم النبيلة التي يحملها ابطاله هي المنتصرة في النهاية مهما بلغت المخاطر والتحديات، فضلا عما تصوره حكاياته من ابعاد، وتضيفه من مغزى انساني، اذ صنع القاص لبطلة روايته (غريبة) نهاية اسطورية تليق بها. ليجسد موتها التراجيدي شجاعة فائقة. ويكون موتاً شامخاً قل نظيره في القصة العراقية، حيث علت وجهها عند لحظة الموت ابتسامة عريضة حين غشيها حلم احتضان ابنها المشنوق (حلب) فوق المنصة، لتغيب معه في عناق طويل، والروائي حين يقدم لنا مثل هذه المشاهد بعفوية وصدق متناهيين ، عبر خطوط السرد الحي، يشير دون شك الى ان كتاباته هي قرين المعايشة والخبرة، وكأن الكاتب قد عاش كل تلك الحيوات المهمشة في صراعها الدائب للتحرر من قيود العبودية والاستبداد، لتستحيل الكتابة لديه واقعاً، والواقع كتابة، فنرى بطله (حلب بن غريبة) الفتى الاسود، يخوض مغامرة تؤدي بحياته، (حلب) الذي يعد امتداداً لأمه (غريبة) في المعاناة والنبل، وغنى الروح، كان انساناً بسيطاً لا يعي سبب محاكمته، ولم يعلم انه ذهب ضحية خداع ابن الشيخ، الذي امره بتسلق بناية القائممقامية لانزال العلم وتمزيقه امام انظار الجموع، ليحكم على فعلته بالشنق بامر من الحكومة وتأييد سيده الشيخ مزاحم، وسط احتفال كبير حضره العديد من رجال الدولة، وحشد كبير من الفلاحين، ممن جاءوا للاشراف على تنفيذ الحكم بـ(حلب)، لكن موته تسبب في قيام موجة سخط وغضب عارمين من قبل الفلاحين بعد ان علموا جلية الامر، اذ انطلقت اثر ذلك حركة تمرد وتحد سافر قادها الفلاح (عواد) مع جموع الفلاحين، فهجموا على سرداق رجال الدولة والشيخ واتباعه، ما دفعهم للوذ بالفرار الى سياراتهم والانطلاق بها للأفلات من قبضة ابناء القرى، فيما راحت حناجر الثائرين تهتف باهازيج معادية للسلطة والاقطاع، وهم يحملون جثماني (حلب وأمه غريبة) ويجوبون بهما الطرقات والدروب، الا ان الشيخ لم يفلت من العقاب اذ تلقى حتفه بعد الحادثة بوقت قصير، على يد المغني الاسود (عيد) الذي اعطى وعداً لحبيبته (صبحه) ان يثأر من قاتل ابيها تنفيذا لشرطها كمهر للزواج بها، ولما حانت المناسبة، كان (عيد) يغني غناء موجعاً يستدر الدموع في العيون/ حزناً لرحيل صديقه (حلب) في حفلة كان قد حضرها الشيخ مزاحم بصحبة بعض المسؤولين، حيث رفض اي (عيد) طلب الشيخ في تبديل اغانيه الحزينة، متحدياً: لا ابدلها حتى تتبدل حياتي!، مثلما اعلن رفضه الرقص امام ضيوف الشيخ، ما اثار دهشة الشيخ وغضبه، فعمد الى اطلاق رصاص مسدسه على ساقي(عيد) ما دعا الفلاح (عواد) ، للاندفاع باقدام وجرأة خلف الشيخ حيث تمكن من تقييد يديه. ماجعل الفرصة سانحة (لعيد) الجريح للامساك بقدمي الشيخ واسقاطه على الارض، ثم هجم عليه وجثم فوقه ليطبق باسنانه على عنقه، وامام ذهول الجميع من جرأة المغني على سيده، تدافع رجال الشيخ وانهالوا بالضرب بشدة على رأس الفتى، (لكنهم فشلوا بجره عن جسد الشيخ، ولم يفلحوا الا بعد ان استكان جسد الشيخ مزاحم بلا حراك، ثم ساد هرج ومرج، لكن الصمت حل فجأة عند ارتفاع عويل الفتاة (صبحه) التي اخترقت الحشد وهي تندب الفتى المغني المضرج بدمه، وتصيح وسط الجمع المتزاحم مشيرة الى (عيد) المسجى على الارض ـ هذا رجليّ ـ انه رجلي. 
تجسدت في الرواية مهارة الكاتب عبر تنامي الاحداث للامساك باللحظات المحسوسة بطريقة تلقائية لسبر القاع الاجتماعي والانساني لمجتمع القرية العراقية ابان عهود الاقطاع، وكأننا امام مشاهد سينمائية بتدفقها الحي، ومن خلال البنية المعمارية بدت الرواية بسيطة وعذبة كالخبز، اضافة الى جماليات بنائها الفني، حيث تجلى اقتدار مبدعها فهد الاسدي في ابتداع عالمه الخاص، الذي اطلق فيه الامكانات الخفية للحيوات المسحوقة التي تكافح بصبر واصرار من اجل انتزاع حقوقها، واسترداد انسانيتها المستلبة من قبضة قوى التسلط والظلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل