قصة الشبيه ---- بقلم فهد الاسدي ----ضمن المجموعة القصصية الثالثة معمرة علي ---1994

قصة الشبيه ---- بقلم فهد الاسدي ----ضمن المجموعة القصصية الثالثة معمرة علي ---1994

 

 

قصة الشبيه

 

( قصة الشبيه ) ----- بقلم فهد الاسدي ----ضمن المجموعة القصصية الثالثة معمرة علي -----1994 :

 

كنت ما أزال أقف وسط ذلك المرج الواسع المحيط ببناية المعهد بعد أن خلفتني فتاتي ( حياة ) وابتعد عني خصمي الاعمى ( الزيبق ) وخلال هدنة قصيرة علي أن أن اراجع نفسي لأتخذ قرارا" ينتظره –

كنت أملي نفسي بنظرة وكنت اقول ربما ستكون تلك هي النظرة الاخيرة الى معهد عشت فيه حياة" كانت كبئر ضيقة الفوهة عميقة القرار – أحببت فيه بصميمية وعشقت ناسه لأني عشقت من خلالهم حلما" كبيرا" ضمن زحمة من تجربة امتزجت فيها الهواية بالحرفة ولم أعد قادرا" على أن أفصل بينهما –

ولكن ها هي النهاية القسرية تواجهني – لم يبق أمامي تحت تحدي ذلك الاعمى الزيبق سوى خيارين : أما أنه يتعين علي أن اسمل عيني فاكون جزءا" من ذلك العالم قريبا" من فتاة احلامي أو أخرج من المعهد محمولا" على الاكتاف مطرودا" أو غير ذلك – حين أغضب الزيبق فينفذ وعيده بفضح سري وتقوم قيامة ادارة المعهد والعيمان ضدي – سويعات قليلة , أكان أحد منكم قد جربها وعرف كيف ان تاريخا" كاملا" يمكن أن تمسحه أو تؤكده لحظة –

مع هذه الحيرة وجدت نفسي أجاهد وسط أمواج بنفس المحارب الذي لايقوى على النصر ولايطيق الانكسار –

كنت قد دخلت معهد تأهيل العميان هذا قادما" في مهمة سرية اعتمدتني فيها مؤسستي وذلك لكتابة تقرير عن عالم المكفوفين ووضع دراسة عن مشكلاتهم محاولة منها لعلاجها ولان المهمة تتضمن ايضا نوعا" من التحقق في صحة الاتهامات التي كثيرا ما ترد الى الوزارة والموجهة الى ادارة المعهد وممارساتها فقد رتب الامر بحيث يتم التحاقي بالمعهد ليس بصفة زائر أو مفتش أو صحفي

أذ ان ذلك يعني وكما نبهني مديري المسؤول بمثابة دق جرس انذارا" للفأر بدلا" من ضبطه – اعترف ان مديرنا هذا كان رجلا" حصيف الرأي شجاعا" يملك رغبة اكيدة في ممارسة الاصللاح في مؤسستنا وبجذرية –

همس في أذني يوما" ونحن نمهد للعملية – قال :

يجب ان يبقى كل هذا طي السرية لقد عملت مع الكثيرين ولدي القناعة التامة بان ادارة المعهد لو علمت بمهمتك هذه فليس عسيرا" عليها أن تنقل اشجارا" بواسق او نخيلا هرما" وبلا عروق من مكان ثم تغرسها في المرج المحيط  لتوحي اليك ان تاريخ الاصلاح في هذا المعهد اصيل ومتوارث – لذا وامام مهمة على هذا النحو فقد دربتني المؤسسة على ان ألج هذا العالم المليء بالسرية والغموض كمكفوف يحتاج  للتأهيل لمهنة أو عمل ما –

 ولتمثيل هذا الدور كان علي أن أتدرب اياما" طويلة وأزور مقاهي ومنتديات عدة جل روادها من العمي لكي اضبط حركاتهم وأحدد سلوكياتهم ولكي أبدو حين التحق واعتمادا" على تمثيلي – أعمى لايثر الشكوك لا من قبل ادارة المعهد بل من قبل العميان انفسهم – اذ ان ذلك العالم كان كالجسم يرفض في اكثر الاحيان اي جسم غريب عنه – لقد قرأت الكثير عن ذلك العالم وتوقعت الكثير من سلوك حشد من ناس كيفوا انفسهم للعيش في الجانب المظلم من الحياة ولكن ان تقرأ عن أمر شيء وان تعايشه شيء اخر – اذكر جيدا في موقفي هذا كلمات مدير مؤسستنا :

مروان – احرص على مهمتك تذكر انها جزء من برنامج عمل بعيد المدى انكشافها يعني فشل مشروع بكامله وخسارة جبهة في مثل هذه المعارك تعني خسارة الحرب بكاملها – في الايام الاولى لاتحاقي بالمعهد وجدت عالما" مهجورا" وكأنه سديم مقذوف في مجرة غير متناهية من فراغ – ععالم بطقوس مألوفة له لكنها غريبة لانها مألوفة وعلى هذا النحو –

خليط من مبصرين يخططون لسرقة عميان وعميان يخططون لاثارة المتاعب لأولئك المبصرين – كان ذلك المعهد حالة خاصة فادارته على خلاف مع مثيلاتها

قد تركت للمكفوفين أمر تأهيل انفسهم بانفسهم من خلال ممارساتهم الخاصة وبغير تدخل ما قائلة : الناس احرار فيما يختارون من مهن والحياة صراع عنيف ويجب ان يفهم كل اعمى ذلك ولذا فعليه وفق هذا المهترك ان يكيف ذاته –

ناعتة العميان الذين يعتمدون على غيرهم في التأهيل لعمل ما بالشخصيات الفهلوية التي لايحق لها ان تتسلق غيرها لانها خسرت معركة البقاء –

لذا فقد وجدت قاعة الاعمال حين زرتها تعج بفوضى  من اشكال انتاجية ومواد مصنعة ونصف مصنعة – نفايات وقاذورات ومواد اولية دلتني على ان اغلب اناس هذا المعهد الغريب قد استكانوا الى دعة الحياة واهملوا التعليم المهني كثيرا الامر الذي سيكون مادة الانهام الاولى في تقريري القادم –

وفي حين توصي مناهج مؤسسة المكفوفين وتعليماتها باشاعة الثقة بالنفس وابراز الجوانب المضيئة في الحياة للعمي وبالتاكيد على العلائق بينهم وبين العالم عمدت ادارة  ذلك المعهد الى تطبيق منهج خاص ينسجم مع رأيها – أن كل تلك البرامج ( اللامجدية ) التي توصي بها الوزارة ومؤسستنا ضمنا" تؤدي الى تقوية نوازع التمرد في نفس المكفوف على واقعه الخاص – وهذا – في رأيها – مما يزرع التعاسات في نفسه حيث الاغراء الكاذب المتعمد على الخيال لا الواقع – ذلك الخيال الذي يصرح بأن حياة هؤلاء العمي يمكن أن تستوي مع حياة المبصرين يوما" – لقد رفعت ادارة المعهد شعارها ( حيث الطموح فهناك التعاسة )

وجعلت منه شبيها" بقانون غير مدون – قانون معنوي متوارث – سنن من قاعدة فقهية خلقتها أعراف العميان –

لقد نجحت – الى حد ما – في الايحاء بأن هذا القانون هو من وضع المحكومين لا الحكام ومن هنا تستقي شرعيته وخلوده –

لقد نحت الادارة منحا" رواقيا" يهدف الى تقريب عالم العميان من عالم الزهاد الهاربين من متع الحياة القصيرة الزائلة الى حياة الامل الاخروية حيث لايصطدم الخيال بالنهايات المدببة الحادة للعالم المادي –

لقد جهدت كثيرا لان تبعدهم عن عالم البهجة والغماء وحين وجدت ان ذلك يقترب من الامر المستحيل قنعت بان تترك للعميان حرية الغناء مع الناي –

لقد كانت هذه الالة الموسيقية هي المدللة الوحيدة في المعهد في حين ان الطبول لاتدق الا في مناسبات محدودة نظرا لقابليتها احيانا على اثارة الخدر اللذيذ في رؤوس العمي – لكن تلك الاوامر والنواهي كثيرا ما تخرق خروقا واسعة وعند ذاك تعالج بصرامة وقسوة من قبل المشرفين فيعود سطح البحر الى الهدوء والصمت –

في اليوم الاول وبعد أن اكملت اجراءات الحاقي بالمعهد امسكتني يد المستخدم الصارمة من رسغي ثم قادتني عبر دهليز طويل يفضي الى باب – هتف المستخدم :

من الان فصاعدا" تعلم السير بمفردك فلسنا متفرغين لك – قاعتك في نهاية هذا الرواق – اياك ان تصدم  بابه الزجاجي امامك وفرحت ساعتها لقد جاز تمثيلي على هذا الرقيب المبصر وانا البس نظارتي القاتمة مخفيا" عيني عن التدقيق –

كنت في بحران من الوهم الجميل حين فوجئت بضربة ضلفة الباب على صدغي بقسوة احدثت معها صوتا" عاليا اعقب ذلك صيحة عالية : العمى –

كان ذلك اول لقائي بزميلي الاعمى ( الزيبق ) بعد تلك الشتيمة قدم نفسه باسما" :

محسوبك – الزيبق ----- اجبت بارتباك : عفوا ----- هتف الزيبق : لا بأس

اراك مستخدما جديدا – لقد جرب المستخدمون الاخرون قبلك هذه الصفعة –

شف - : هذا هو الدرس الاول – لم يسبق لاعمى الاصطدام بهذا الباب –

اما انتم ايها المبصرون فلا ادري لم تصرون على غروركم على هذا النحو وانتم تصدمون بابا" يتسع لجمل ؟ معذرة لهذري – رح  - شف شغلك –

اعترضت قائلا : ولكنني لست بمستخدم ايها الاخ – انا متأهل جديد وأعمى بتشكك طويل ثم قال : أعمى ؟ ولكن اي نوع من العمى هذا لم اصادف مثله من قبل – اني لا اكاد اصدقك – قادني من رسغي عبر البوابة ومن ثم قدمني لجماعته صائحا" :

اقدم لكم زميلا" جديدا وحينها توقف ليستفهم عن اسمي فاكملت قائلا" : مروان –

اول الامر استقبلني النزلاء بترحاب وبمرور الوقت ولا ادري لم – بدؤا يرتابون بي ويتجنب الكثير منهم الاقتراب مني – ربما لانني كنت اصطدم بالاشياء محدثا جلبة وضوضاء وصراحة فقد كنت اتعمد فعل ذلك خاصة امام الرقباء وموظفي الادارة متصورا ان ذلك اجراء ضروري لتضليل الرقباء كما اني كنت احدث صريرا حادا باسناني اثناء الاكل او اشفط الشاي بصوت مسموع – ولاشك ان ذلك مبررا لانزعاج اناس مرهفي الحساسية –

لقد خسرت في الاغلب في لعبة الدومينو مع منافسي من العميان وبدوت جاهلا لكثير من الهموم والاسرار في مجتمعهم – لقد بدوت في نظرهم اعمى من نوع غريب الامر الذي اثار شهيتهم للزراية بي والسخرية من تصرفاتي وفي معظم الاحيان كان يقود تلك الحملات ضدي صاحبنا ( الزيبق ) –

وكان لايحز في نفسي كثيرا ان اكون هدفا لسخريتهم فلقد كنت اوطن نفسي على انهم سيكتشفون يوما ما حقيقتي وسيحسون بالدين الكبير لي لانني ما عشت الا لأغير عالمهم هذا حين تجد تقاريري طريقها الى اذان المصلحين في مؤسستي ولكن ما كلن يشغلني شعوري بجهلهم صداقتي وحبي لهم –

في اليوم التالي من اقامتي بالمعهد حاولت التعرف على اقسامه كجزء من مهمتي

لبست نظارتي القاتمة وامسكت عصاي ورحت أنقر بها نقرا خفيفا وانا اسير على بلاط الدهاليز متعرفا على قسم الادارة فقاعة الطعام ثم المطبخ ثم قادتني قدماي في الاتجاه المعاكس : دفعت بوابة زجاجية افضت بي الى ردهة بيضاء واسعة تضم اسرة متقابلة فجأة خرجت أمرأة متينة العضلات – صرخت بي :

الى اين ؟ هذا قسم المتأهلات – من انت ؟ ولماذا دخلت هنا ؟

أما تعرف ان المكان ممنوع عليكم ؟

قبل ان يتسنى لي شرح موقفي تعالت ضجة النساء حولي – ثم دفعت الى الخارج مع صيحات الاحتجاج – في الخارج زاجهتني ضحكة الزيبق العالية وهو يمسك برسغي : لاتهتم يا مروان كلنا وقعنا في الخطأ نفسه قبلك – ما أن نستلم البطاقة حتى تقودنا ارجلنا الى هذا المكان – ما الحيلة يا اخي ؟

يبدو ان عقولنا بين افخاذنا – تعال لادلك من جديد على قسمنا – سحبت يدي منه بعنف صائحا" وانا احاول رد اعتباري : لا حاجة – ماذا ؟ أ أ نت ترشدني الى الطريق ؟ قال بتسليم او وعيد : لا باس سنرى –

لذا وبعد هذه الحادثة بدأت احدس ان هذا الزيبق هو مصدر متاعبي – الا انني واعتمادا على ميزتي كمبصر كنت أربأ ان اجعل من هذا الكفيف المسلوب ندا لي كفؤا" لعدائي خاصة وان مهمتي كانت ابعد من هذا الهدف كثيرا – الا انني اعترف بانني مؤخرا اكتشفت بانني حيال شخص متمرس عنيد يملك ثقة عالية بالنفس افتقر اليها كثيرا –

لم اذهب يوما الى مكان الا واجد الزيبق امامي – كان له منخرا كلب فهو يتحسس اي خبر جديد او فضيحة او همس يدور في اروقة المعهد – يعرف كل عطفات المبنى ويستطيع ان يجتاز المتنزه القريب دون ان يصدم حجرا او شجرة –

كان يتكلم بكل ثقة اعمى – كان علي ان اعمل جاهدا لئلا اكون هدفا لسخريته المريرة اذ انه فضلا عن فراسته الجديدة كان له لسان سليط لايرحم –

كان يمتلك سيطرة صارمة على نزلاء المعهد أغلبهم كان يحترم كلمته ربما لانهم يخافونه او يحذرونه واما لانهم يحبونه فهذا ما اشك به كثيرا –

وصراحة حرصا مني على نجاح مهمتي فقد كنت اخشى فضول الزيبق اكثر من خشيتي انكشاف امري من قبل رقباء ادارة المعهد اذ كان لهؤلاء همومهم وهواياتهم الخاصة التي تشغلهم عن اعمى مثلي اشتهر عنه عميان :

عمى العين وعمى القلب –

كان للرجل قابلياته الخاصة ففي حفلات العميان وفي مواسمهم لا بل حتى في مأتمهم كان هو سيد المسرح وكانت له دقة فائقة في تقليد اي صوت لايميزها الا عالم اصوات متشكك وكثيرا ما كان يثير ضحك العميان واستحسانهم حين يقلد صوت مدير المعهد في نوبات غضبه على مستخدميه –

وحين يعرض هذا المشهد فانك امام حوارية متنوعة لاشخاص عديدين يؤديها ممثل واحد هو صوت الزيبق واكن يستطيع ان يبكي العميان في مأتمهم عندما يتخذ لنفسه منبرا مقلدا" ( ملالي ) العزاءات والندابات وقراء ( الموالد ) –

انك معه وكانك مع الماء ليس له طعم خاص او لون خاص او رائحة خاصة كما انك لاتستطيع ان تقبض منه بكفيك شيئا –

لقد اذهلني حين طلبوا منه يوما ان يقلدني فجاء صوتي وصوته متشابهين شبها غريبا – لقد اجاد تقليد لهجتي وطريقتي في الضغط على مخارج الالفاظ وحتى لثغة الراء عندي وحتى انني حين تدخلت لاصحح له في بعض المواطن ظن العمي هو المصحح لا انا فراحوا يصفقون له استحسانا له –

الا انني على الرغم من تلك البراعات كنت أوطن نفسي على أن أبز هذا الزيبق في الكثير – ذلك لانني وعلى مر الوقت وجدت ان استجاباته  لتقليد شخصيتي اكثر من استجابتي لتقليد شخصيته – كما  لا أخفي أنه بدأ يشك بي أكثر ويحذرني اكثر وفي التالي يظهر احتراما" لي في اكثر من مناسبة –

لقد جرى هذا التحول بعد حادثة معينة ضبطت بها غريمي :

في عالم العمي هذا تشهد مناظر وطرائف كثيرة فالمعهد قسمان : الجانب الايسر منه يضم جناح العمياوات والايمن يضم جناح العميان – يفصل بينهما في القلب قسم الادارة كنقطة جمارك بين دولتين – على قسم العمياوات تقف حارسات صارمات وواحدة منهن من ضبطتني في بداية ايامي وانا اتسلل قريبا" من دائرة عملهن – وهناك طبقا" لفلسفة الادارة الرواقية رقابة صارمة ضد اي نوع من الاختلاط  بين الجنسين فالشرق شرق والغرب غرب –

الا انه ورغم تلك الرقابة الصارمة فقد شهد الكثير من عمليات التهريب بعيدا" عن عيون ( دائرة الجمارك) أو حتى قريبا" منها فالرقباء لايستطيعون حبس الغناء في الليل – وحين تسيل ألحان الناي تتدافع الفتيات العمياوات ملتصقات الاجساد هاتفات : أسمعن ها هو حسوني يغني –

الفريقان يعرفان بعضهما البعض وبكل التفاصيل : الاسماء , الاصوات , تواريخ الدخول , المهارات , كل ذلك محفور في الذاكرة ومن يمتلك مثل ذاكرة الاعمى –

ساعة االلقاء الوحيدة المسموح بها وفق قوانين الادارة هي ساعة الطعام , اذ انه ليست هناك سوى قاعة طعام واحدة وهذا يضطر الادارة الى هذا الخرق –

لقد صفت وسطها منضدة طعام طويلة تحتل العمياوات جانبها الايسر بينما يتخذ العميان مكانهم في الجانب الاخر – تدخل العمياوات تحت حراسة صارمة عمياء أثر عمياء وكذلك الحال مع الرجال وحين يتخذ العمي أماكنهم بهدوء , أكون انا الوحيد الذي يثير الجلبة حين اصدم قدمي بمقعدي – عامدا" طبعا" – وحينذاك يرتفع صياح الجانبين : العمى يعميك –

ينطلق بعدها ضحك قصير يعقبه صوت المشرف امرا" : هيا الى الاكل –

في هذه المقابلات لايحتمل سوى الهمس المبحوح وربما تمتد من تحت المائدة اصابع لتلتقي باخرى وفي هذه الخلسة عادة تحدد ساعات اللقاء واماكنه بلمسة خاطفة لايفطن لها الرقباء وحينذاك ستكون لحظات لقاء عذب يسرقها العمى في اوقات القيلولة حين يخلد الجميع الى الصمت فالرقباء المبصرون عادة يسرقون من العمي ساعات لقائهم بفتياتهم من الرقيبات او العمياوات وراء الابواب الموصدة والعمي عادة يستغلون غباء المبصرين أو اهمالهم هذا فيتسللون الى لقاء الحبيبات في الزوايا وهنا تتحول اللغة الى طقوس من الهمس الا ان العميان وكما حدثوني كثيرا" لايعدمون وسائل اخرى فقد يعمدون الى رشوة الحرس بالمال او بالعينيات ليغضوا الطرف وكأن ( لا من شاف ولا من درى )

وكنت اتابع تلك اللقاءات احيانا بلذة المكتشف لعالم غريب طريف وعرفت كيف يمارس العمي طقوس الحب وكيف يتعرف الاعمى على رفيقته من خطوها ومن لهاثها ويفرزها من بين الاخريات المنتظرات –

ومن تلك العلاقات الحبيبية كثيرا ما تندس ممارسات خبيثة تثير الخناقات بين العميان وكنت اكاد انفجر وانا احاول حبس ضحكي حين يتشتبك أعميان مثلا في عراك صامت وهما يتبادلان المسك والخنق والعض ولا اقول – الشتم – فهنا لا مجال للهمس – اذ ان قوانين المعهد صارمة في عقاب الاثنين من دون تفريق بين معتد ومعتدى عليه – في حين تقف فتاة عمياء تشهد هذا المشهد – البانتوميم –

مرتجفة ذعرا" أو غرورا" –

في تلك المغامرات لايعرف الكثير حقيقة كون الزيبق ( زير نساء ) ذلك لانه استطاع ان يغطي شهوانيته المتقدة بمظهر زائف من التقوى وللرجل اساليبه البارعة في الحفاظ على قسم كبير من عالم العمي جاهلا" عن حياته السرية

كنت في البداية ارجح ما ترجحه العامة وانا اراه في كثير من الاوقات منشغلا" في أعداد الرقى والتعاويذ لطالبيها وكثيرا" ما كانت تصله تلك الطلبات من مجتمع العمياوات نفسه وحين يلم باي واحدة منهن وجع او مصيبة ما –

ومن يدريني ان تلك المهمات كانت سلما" يتخذه الزيبق وصولا" الى اهدافه الشهوانية اذ ان المخدوع يحرص ابدا على الا يكشف عن تورطه في علاقة ما مع هذا الزيبق –

أثناء ساعات الطعام كنت أروز العمياوات من خلال نظاراتي السميكة  , وكانت فتاة واحدة فقط من بينهن قد استحوذت على اهتمامي بهدوء جمالها وقوة شخصيتها التي كانت تشف عن حزن عميق مستقر وباطلاعي عما يشهر عنها فقد عرفت انها لاتشارك في سقطات وحماقات مجتمع العمياوات فزاد ذلك احترامي لها –

كان صاحبنا الزيبق بعد انهاء تحضير رقية او تعويذة ان يسلمها لزبائنه وقت القيلولة تجنبا" – على ما يظهر – لعيون الدخلاء وكان يردد دوما" وللتويه قائلا" ( ان تفعل الخير فالخير ان تفعله بالسر ) – واما روح نبيلة بهذا الشكل لاتملك سوى الانحناء باحترام –

في واحدة من اوقات القيلولة انشغلت عن النوم ولا اذكر هل كان ذلك بفعل طعام رديء تناولته ام لانني كنت اراجع مذكراتي – مصادفة احسست بنأمة خفيفة في القاعة : كان الزيبق يرفع رأسه عن وسادته بحذر شديد – بعد أن ارهف أذنيه مثل حصان انزل رجليه عن السرير ببراعة لايمكن معها ان يلتقط حركته اي جهاز حساس لولا ان لدي عيني المبصرتين – لبث الزيبق برهة يتسمع ولما ايقن خلود الجميع الى النوم , دب بهدوء وانسل خارج القاعة –

كانت حركاته قد أثارت فضولي فتسللت وراءه بحذر تاركا" بيننا مسافة مناسبة كيلا تكشفني مجساته – انعطف الرجل نحو زاوية تركت كعنبر للاشياء المهملة

لبث مسمرا" هناك مدة عندما فاجأني ظهور الفتاة العمياء حياة من عنبر العمياوات تلك الفتاة التي تستحوذ على اهتمامي – اتجهت حياة نحو عنبر المتروكات حيث لبث الزيبق منتظرا" وهنا غزاني غضب محتدم وانفعال رهيب مزيج من المفاجأة وخيبة الامل – فكرت : أتكون هذه البنت ايضا من محظيات الزيبق وكل وقارها واتزانها طلاء – تقدمت بحذر – سمعت الزيبق يحادث الفتاة قائلا:

ها – واخيرا" جئت يا حياة –

هتفت الفتاة – نعم لقد جئت حسبما وعدتني وها هي بعض الدراهم ثمنا" ( للحرز)

قال الزيبق : ولكن لماذا الدراهم يا حياة لقد فعلت هذا اكراما" لحب لك –

همست الفتاة : ولكنك تعلم يا عم انني لا ابادلك الحب – لقد جريت ورائي كثيرا ولكنني لست كالاخريات – اعطني حرزي ودعني أعد بلا فضائح – ارجوك –

صاح بها الزيبق محتدا" بهمس : افهمي ايتها البنت فما زلت صغيرة – انني وففي هذا المعهد لن تقدر واحدة على ان تعصي امري – انت تعرفين سلطاني على الجميع ومن ابسط الامور اني استطيع ان اصرخ فألم الناس حولك :

هتفت حياة متوسلة : لاتفعل ذلك ارجوك يا عمي –

قال الزيبق بهدوء : لا أفعله حتما" لو عقلت واقتربت مني بلا مشاكل –

قالت الفتاة : ولكنك تطلب المستحيل – وهنا امسك برسغ الفتاة بقوة وجرها اليه في حين راحت هي ترتجف بين يديه وهي تتضرع اليه قائلة :

فك يدك عني والا فساصرخ – هتف الزيبق بتهكم : اصرخي هذا ما اريده – اذ عندما يجتمع الناس حولك سيصدقونني لانك سعيت الي برجلك – من جاء بك الى قسم الرجال ؟ -- راحت الفتاة تدفع صدره ووجهه بيديها في حين كانت يد الزيبق تعبث – حينذاك جاء دوري هجمت على الزيبق من الخلف فقيدت يديه وصحت بحياة : اسرعي الى عنبرك قبل أن يستيقظ الاخرون ودعي لي هذا النذل –

هتف الزيبق باحتجاج : ولكن من هذا المتطفل ؟ أتكون مروان ؟

نعم – مروان وسالقنك درسا" – كنا نشتبك بعراك صامت في حين تسمرت الفتاة قريبا" منا – هتفت بها : اسرعي يا حياة – عودي الى مكانك قبل الفضيحة –

عندها تنبهت الفتاة لوضعها فخرجت مسرعة وهي تتمتم بالشكر لي –

من ذلك اليوم أعلنت الحرب بيننا حرب صامتة من طرفينا فأنا لم اكن لاميل الى الحقد على هذا الزيبق – بل كنت متشبثا" بفكرة اصلاحه وتقويمه –

وكشف الاعيبه للمخدوععين في اقصى الضرورة وكان ههذا الموقف لايخرج عن رسالتي ومهمتي في المعهد – والزيبق من جانبه قد أدرك بان لدي قدرات خاصة

هذه القدرات قد وضعته امام لغز لم يستطع تفسيره – لذا بات يحذرني كثيرا لا بل يحترمني – حتى انه وفي احايين كثيرة حاول التقرب مني أو توسيط البعض لراب الصدع بيننا وطبعا فقد كانت هذه المحاولات لا تقابل بالصد مني وفي النهاية فقد ظفر ببعض شفقتي وعفوي – الا ان اهتمامي بحياة كان قد غار بعيدا" في نفسي –

خاصة وقد كنت اتحرق لمعرفة ما تركته محاولة الاغتصاب في نفسها من اثر –

أوقات الامسيات الصيفية كان مسموحا" للعمي بالتجوال منفردين في المتنزه القريب كرياضة روحية بالدرجة الاولى – كما توصي شرائع المعهد – تذكي فيهم الميل نحو الصوفية والاغراق بالذات ولم يكن مسموحا أن يستمر لقاء اي من الجنسين مع الاخر مدة طويلة – الا انه وكما لاي قانون في الكون شبها" تنفلت من منظوماته – كانت بعض اللقاءات تطول وقد تتبادل خلالها احاديث عن الحياة والحب الا ان تلك المحادثات قد تقطع بجمل اعتراضية صارمة تصدر عن المشرفين أو عن عميان تابوا على يد الشرائع فزهدوا عن تلك الميول ( الجامحة)

عند ذاك تكون تلك المحادثات مثل شهب ألتمعت اضوااءها في سماء الاعمى للحظات ثم امتصتها السماء القيرية فيوقن الاعمى ان البقاء للقاعدة لا للاستثناء

ومن هنا جاء شكي في ان الادارة هي نفسها تعمد الى تدبير تلك اللعبة المسلية كي يتطهر العمي خلالها من نوازعهم والا فلم هذه المصرفات الفائضة عن اللزوم لمراقبة العمي طالما أنها وبأمر بسيط تستطيع ان تستأصل شأفة هذه الخروق من اساسها وذلك بمنع تلك النزهات – وكنت يوما" أتجول في المتنزه حين بصرت بفتاة اهتمامي ححياة تدرج متلمسة الطريق – كان ظهورها مفاجأة فرح لي – أذ ان حياة هذه من النوع الانطوائي الذي لايسمح لنفسه حتى بمتع بسيطة كهذه –

لبثت انتظرها على الجانب الاخر وحين قاربتني هتفت بها هامسا" :

مرحبا" – حياة – جفلت الفتاة وهي تردد : من ؟

هتفت بها : لاتخافي فانا مروان –

هنا اشرق وجهها بالفرح وهتفت :

أحقا" – مرحبا بك ولكن كيف عرفتني ورصدتني على هذا النحو ؟

قلت : هذا سر ساصرح لك به يوما" – المهم امل الا تواجهك مضايقات بعد تلك –

هتفت : اوه شكرا لك لقد ذكرتني – لقد كنت ابحث عنك لاشكرك –

ألقت بهذا كله وبسرعة وكانها لدغت ثم تابتعدت عني وهي تحجل مسرعة داخل المرج – صحت وراءها : ولكنني سانتظرك غدا في هذا المكان نفسه –

لم ادرك سر عجلتها الا بعد دقائق حين ظهر الزيبق وهو يرهف اذنيه منصتا" كالحصان – من ذاك اليوم زادت لقاءاتي بحياة – لقد اصبحت موضع اهتمامي وحبي لذا فقد وطنت نفسي على ان اجعل لحياتي معنى" –

وصفت لها لون السماء والنجوم وشكل الاشجار والزهور وبعبارات المحب تغزلت بلون شعرها ووصفت لها بقصائد من شعري الساذج وجهها البرونزي الجميل

وقوامها اللدن وكنت مع كل لقاء اعيد ما أقول واضيف الجديد لقاموس معرفتها

وأوكد أن ما اقوله لها هو الواقعي والحقيقي – الا انها كانت ترد علي قائلة :

مروان – يالك من اعمى واسع الخيال – اني لاعجب كيف يقدر لك ان ترعف الوان الاشياء كلها وانت لاتبصر – وكنت أردد ولكني لي سري الخاص – المسي اي شيء بيديك وساعرفه لك – وكنت انجح في اختباراتها وكان ذلك مصدر عجبها وحبي لها : عجبها من قدرة حبها على ان يجعل من اعمى مثلي عرافا" وحبي لها وانا أحس نجاحي في اخراجها من نواميس المعهد الثقيلة لتدرك ان هناك واقعا" قد يفوق الخيال جمالا" – قلت لها يوما:

لا ادري ياحياة لم احس انك يوما ما ستكونين قادرة على رؤية ما اراه وستبصرين

فكانت تهتف ضاحكة : اوه انك واسع الخيال ياصديقي –

كانت لقاءاتنا القصيرة  الجميلة أحس فيها جمال الومض ححين يضيء ولو لحظات كنت ارجو لو استطالت لكنها وفي كل مرة تقطعها هاربة مني اذ كانت اذنا حياة ارهف مني في اكتشاف المتسلل او القادم قريبا منا – وكثيرا ما تنقطع تلك اللقاءات بظهور الزيبق – ومع ان ظهور الرجل كان يبدو تلقائيا لاتعمد فيه الا انه كان يملؤني كراهية وخشية – حاولنا تغيير مكان لقاءاتنا عدة مرات الا ان حياة كانت تردد ان علي الا افكر في هذا الزيبق كثيرا او اثير معارك معه طالما انه لم يبادر

واكدت لي ان هذا الرجل اصغر من ان يكون نداط لي في قلبها – كفى فلقد اختارتني

وعلى هذه الثقة السديدة فارقت فتاتي حياة حين رات ادارة المعهد يوما ضرورة نقلي الى المستشفى لاجراء فحوص على حالتي النفسية والعصبية وللتأكد من أنني اعمى بشكل طبيعي نتيجة لتقارير وردت اليها من مراقبين شكت في كوني – ربما -

أمر في حالة مرضية او قد أحمل وباء" من الاوبئة الوافدة التي قد تضر بالنزلاء الاخرين – كان القرار لطمة مفاجئة لي ولكن ولان المسألة لاتتعدى الظنون وجدت من الخير ان اناور وذلك بالاستجابة لهذا القرار – خاصة وهي ايام ثم اعود لاتمام مهمتي في المعهد – الا ان غيابي قد امتد مدة اطول من شهر حتى تتم الفحوص على جهازي العصبي –

ظهر هذا اليوم أعدت للمعهد من جديد وكان علي أن اطير مسرعا" للقاء المساء منتظرا" فتاتي حياة – كانت اللطمة شديدة علي حين ابصرت فتاتي حياة الحبيبة الاثيرة تأخذ بيدي الزيبق وهما ينتحيان وراء شجرة يتناجيان ويتضاحكان – اندفعت امامها مباشرة وهتفت : أحقا" – أهكذا يا حياة تخونين حبي مع هذا النذل

انسيت مروان ؟ هتف الزيبق مقلدا" صوتي تماما" :

ولكنني انا مروان فلماذا تتطفل علينا ايها الوغد ؟

من تكون ؟  ورحت واالزيبق نتبادل التهم والسباب والايمان باللغة نفسها واللهجة نفسها وفهمت اللعبة : كان هذا الزيبق قد اجاد تقليدي امام حياة ولم يترك ثغرة شك قلد ااحاديثي بلهجتي نفسها – قلد مخارج الفاظي ولثغ بالراء لثغي بها – حدثها حديثي عن السماء والنجوم وسار ابعد حين تلامست ايديهما وكان مافاتني ان المس يدها يوما" – اذ كيف يتهيا لها ان تميز بيننا حين لم تعرف ملمسي يوما"

كان ظهوري المفاجيء قد الجم الفتاة واختلطت في عقلها الاشياء – هتفت متضرعة : يا الهي ولكن ايكما مروان ؟

وتدافعت كلماتي وكلمات الزيبق متصادمة : انا مروان وهو الزيبق –

هتفت محتجة : اذهبا معا انتما مروانان وزيبقان معا – لقد تعبتماني ان راسي يكاد ينفجر ثم افجرت باكية صحت بها : قفي تشهدي برهاني على اني مروان لا هذا –

انسحبت راكضة وهي تردد : لاوقت لدي للفضيحة – بعد  انسحابها التفت للزيبق وانا اتميز غيظا" – كان يقف على بعد يسير مني متأهبا" وععلى شفتيه ابتسامة ساخرة – صحت به : شف – انت تعرف انني مروان وانت الزيبق فلماذا تلجأ الى هذه اللعبة النذلة – قال : انني اتجاوز شتائمك الان ولكن اما تدري ان للضرورات احكامها – لقد افسدت علي حياتي مع العمي فلافسدن عليك حياتك – الا ترى انها جريمة وعقاب وانك تدفع ثمن تطفلك علينا ؟

هتفت به : ولكنك  لاتعرف انه لابد من كشف كل الفساد والخروق في معهدكم وجزء من ذلك الاعيبك وخداعك للعمي – قال بسخرية :

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل