الجريح ------فهد الاسدي

الجريح ------فهد الاسدي

(قصة الجريح ) بقلم الكاتب الكبير الراحل فهد الاسدي 11-

(( المحاربون الطيبون لايجهزون على الجريح لكن اعداءنا غير طيبين))

هدير المعركة لايزال يصطخب في جسمه
حاول ان يقوم لكن شيئا في جسمه منعه وجرب ان يفتح عينيه ليحدد مكانه لكنه تخيل ضبابا حالكا يحجب عنه الرؤية وان قبضتين قاسيتين تضغطان على اجفانه بعنف وتخيل نفسه في دولاب عيد سريع – ومن الممكن ان ما احسه من دوار قليل في اول الامر اعاده الى ايام طفولته عندما لم تكن حينئذ مسؤولية وحين لم تعن كلمة الكفاح في ذهنه الصغير سوى خناقه بسيطة بينه وبين ابن جارهم
لكن الدولاب اخذ يستدير بسرعة جنونية حتى خيالاته أخذت تتراقص امامه بدوران عنيف
وحاول ان ينهض من جديد – لكن ذلك الشيء منعه
 أوه ) – صرخ بالم ممض – ونبهه هذا الالم الى غريزة الاستطلاع عنه)–
لم يستدم بحثه سوى ثوان – كان ذلك السائل القاني اللزج قد غطى معظم جسمه قرب الصدر وحول بطنه وحوضه وفاضت كمية منه فصبغت مضجعه
حاول ان يتذكر موقفه – حاول ان يحس – انى للجريح ان يحس سوى المه
واندفع تحدوه غريزة البقاء بعيدا عن الجبهة – 
كانت اصوات الانفجارات وتقدم العربات وازيز الطائرات تختلط كلها مع انين روحه المتعبة في صخب غريب
وقليلا قليلا تطاوعت عيناه مع غريزة حبه للبقاء – ابصر الحرائق والدخان وتذكر جزءا من ساعاته وادرك انه لم يعد بامكانه ان يكون محاربا فقد سقط وجرح
عليه ان يهرب من رحى المعركة ويمم وجهه شطر الغرب
كانت الشمس لاتزال تهب الضياء رغم انها اذنت بالافول ولاول مره في عمره كره الشمس وادرك انها تفضحه للاعداء
حاول ان يوطن نفسه على ان اعداءه لن يتبعوه – فما عاد ذا خطر
انه جريح وما يملك الجريح من اهمية اكثر من ان تبصق فتوقه دما – اكثر من ان يضيف الى أنات المتعبين أنه ؟ 
وتذكر قصة كان جده قد سردها على مسامعه في الصغر – ومرت الذكريات كشريط سينمائي امامه
كان الجد يروي لاحفاده بخيلاء ساذجه جزاءا من ذكرياته مع ابناء قبيلته فقد طاردوا عصابة لصوص كانت قد اشاعت النهب في بيادرهم
وكان صوت الجد قد تهدج بغضب وهو يقول :
لقد حطموا اعصابنا كثيرا اولئك الملاعين – ان من مرارة الحيف ان ترى رغيفك يسرق دون ان تهب لتسترده من سالبه
لقد تتبعنا الفارين حتى التلال البعيدة واجهزنا عليهم – وفتشنا وراءهم كل حجر حتى قبضنا على رئيسهم

وتذكرهنا حماس الصغار المتحلقون لسماع بقية القصة من الجد
وصرخ مستعجلا جده وقتها : وهل اجهزتم على هذا الوغد ؟
لكن نبرة جده قد اكتست بمسحة حزن وتقريع وهو يقول :
لقد كان جريحا يا بني والمحاربون لايقتلون الجريح
هنا تبدل كل حقده شفقة واكبر عمل جده – احسه اثمن درس تعلمه
واليوم وفي موقفه حاول ان يوطن نفسه على ان اعداءه لن يمسوه بسوء
---------فهد الاسدي – 1964 -----------------------------



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل